Archive for the ‘نوستالجيا’ Category

لحظة مجيدة

2012/07/31

كأس من عصير البرتقال مملوء عن آخره. الصديق إلى جانبي يعبث في هاتفه المحمول. في هذه اللحظات، في المكان الذي أحبه على شاطيء غزة، أستطيع أن أراها. من بين الكأس وشاشة الكمبيوتر يطالعني وجهها الأسمر. وهي بكامل بهائها، تلبس معطف جلد بني. إنها صافية الذهن ويبدو ذلك من طريقة حديثها إلى الفتاة التي تشاركها الطاولة. تدل حركات أصابعها المتناسبة مع إيقاع الشفتين أنها تملك سحرها الخاص. تابعتها لسنتين. رأيتها في أماكن عديدة، وركبت معي بالصدفة في التاكسي مرتين. تركتْ مرة زجاجة ماء شربتْ نصفها، فشربتُ نصفها الآخر بعد أن توارت. لم أكن لأستطيع أن أحدثها أو أن ألفت انتباهها. مشغولة بذاتها لأبعد حد. كل ما جرى منذ أول مرة رأيتها فيها، كان يبعث في نفسي هذا الدفق الوجداني، مثل يد تدفعني للركون، لكي لا أمشي على الخطوط التي سارت عليها. لكنني لا أمنع نفسي من التفكير فيها، كلما رأيتها أو زار طيفها فضاء غرفتي قبل النوم، وهي تتقدم نحوي بقميص نوم قصير وتمد لي كأسا من الويسكي مع الثلج. لا أريد أن أشاركها فنجان قهوة، لا أريد أن أقبّلها، لا أريد أن أعيد تصفيف شعرها. كل ما أريده أن تتقدم نحوي وأن تقدم كأس الويسكي المثلج وأن أختفي. سأنتظر الآن حتى تغادر طاولتها. ستمر من جانبي على الأرجح، ولن أتوانى عن التأمل في صدرها. ففي الواقع، تمنيت كثيرا أن أسبح في حلمات نهديها بعد أن تقدم لي كأسها البارد.

دورة حياة النفط

2012/07/26

كس أم البضان يا حنان.

هذه البقعة أصبحت مستنفعا تسبح فيه الجراثيم والدرافيل العفنة الممتلئة بالدهون السميكة والمستحاثات البشرية القديمة. تذكرين يا حنان بالطبع حصة الأحياء. أنا لا أريد أن أذكرك بالمدرسة، بمؤسسة القهر الذي أفلت من أفاعيلها السوداء، من أولئك الأساتذة الذين توحدوا مع كائنات العصر الطباشيري فبدوا مثل أشباح قادمة من خارج التاريخ ليزرعوا في أرواحنا كل هذا البؤس. أنا أفلتت من هذا القدر. امتلأت روحي بالندبات المؤلمة، لكنني أفلتت في النهاية يا حبيبتي. أتحدث عن حصة الأحياء حصرا لأذكرك بأن الأستاذ يومها قال لنا بأن النفط هو محصلة تراكم تاريخي للكائنات الحية الميتة والمستحاثات القذرة في طبقات الأرض التي تعرضت لكل ظروف الطبيعة عبر الزمن. التراكمات الكمية تؤدي لتغيرات نوعية يا حنان. مش كنتي يسار برضو ونحكي في الديالكتيك؟!

تأملي يا لوعتي المفقودة، يا شبقي الدائم، تأملي: برج خليفة بن زايد في دبي، المراكز التجارية في الخليج العربي، السلفيون المنتشرون مثل الجراد في العالم العربي، الفتاوى والمشايخ، الاستهلاك الكبير، وشوكولاته نوتيلا التي تأكلها المراهقات حتى تطفو البثور على وجوههن، وسيتي ستارز في مدينة نصر بالقاهرة، وشبكة روتانا، والتعريص في ماريبيا وجبال الألب، ورواتب السلطة الفلسطينية، رواتب الأمن الوقائي، الدرع الحامي، ونثريات مقاتلي وليد بيك جنبلاط في جبال الشوف .. كل هذا يأتي من أموال النفط. كل هؤلاء يعتاشون على تلك المستحاثات الحقيرة التي حولتها الشمس الحارقة والضغط وأشياء أخرى لنفط. إحنا بنآكل كاكا يا حنان.

لا عليك من هذا يا غاليتي. بعد أن تركتني ألفيت نفسي تجدف بقنوط في نهر جارف من الكآبة. أغالب تيار الحياة الكريه وأنا أغوص فيه وأتذكر وداعة وهدوء كل شيء فيك، وداعة ذلك الغض الجميل الذي كنت أشعر به وهو يتأوه ويتلوى، ويفتح أمامي طاقة على عالم خارج من تسسلسل العصور التي جاءت بكل هذه القذارة. عالم آمن وأبيض وزاهي. لن أحدثك عن “الربيع” الذي رأيته هناك. أنا وأنت متفقان منذ البداية على الطلاق البائن من الربيع، على ابتذال الإنسان للطبيعة ووضعها في خدمة رومانسيته. أنا وأنت نبحث عن خام صاف. ولأن الصراحة هي خام صاف، أستطيع أن أقول لك الآن: أنا أتعذب لفراقك مثلما لم أتعذب لفراق امرأة أخرى لأنك محض عاهرة يا حنان وأنت تعرفين ذلك. من الصعب على المرء أن يقع في غرام عاهرة يا بنت الناس. من الصعب عليه أن يكتب رسالة لأنثى دون أن يقع ضحية كتابة رومانسية. صعب يا حنان. أنتظر بفارغ الصبر اليوم الذي سيقول فيه شاب لحبيبته: كس أمك يا قحبة بدلا من “أحبك” يا حنان.

الكيمياء فتحت في دماغي معمل يا حنان ولم أستطع أن أنساك. قمت في ليلة من الليالي بإرسال رسائل لصبايا أعرفهن بالاسم والشكل فقط. واحدة فقط ردت علي. قلت لها: شربت لترا من الفودكا وشعرت بقرب أجلي ورأيت من الواجب أن أرسل لكل أولئك الصبايا اللواتي رغبت في يوم من الأيام التعرف عليهن ولم أستطع. الخيال يا حنان، كلمة السر. أعجبها هذا الخيال الجامح وأصبحنا أصدقاء حميمين لشهر واحد فقط وقضينا أوقات ممتعة. أكتب لك لأقول أنه في كل مرة كنت أطل عبر تلك الطاقة كانت صورتك هناك أمامي، سابحة متعالية، أعلى بركة من الزيت الأسود. هذه اللعنة التي ستطاردني للأبد.

هدوء نسبي

2012/07/24

سحابة من دخان الحشيش تظلل الغرفة. كأس بيرة في الظل. إنها ساعة ما بعد الظهر. كسل ينتشر في المسام، يشبه النشوة. نسمة هواء تداعبني وأنا مستلق بلباسي الداخلي فقط. موسيقى “هدوء نسبي” تُعاد للمرة الألف، وتأخذني مع السحابة إلى غرفتها، إلى قميص النوم الأحمر الذي كنت أتمنى فقط أن أراها فيه. كان معلقا على مشجب في غرفتها التي تستطيع أن ترى منها البحر. كان قصيرا ووادعا وشفافا. حين أمسكته من طرفه السفلي بأناملي سألتني : حلو؟ وأجبت : كتير، لكنني لم أجرؤ أن أعبر لها عن رغبتي في أن تلبسه. كنت في تلك اللحظة مفتقدا للمبادرة، صامتا وعميقا كبئر، لكن عيوني كانت معها تماما. بدأتْ ألعابا خفيفة مثيرة. كنت منتهيا لتوي من مرحلة عاصفة بدت روحي فيها بحرا ملتجا. دخلتُ مرحلة سلام ذاتي، عمّقها حضورها الخفيف الذي كان يبحر داخلي تاركا بتجديفه موجات رقيقة من المتعة اللانهائية. انتبهت أنها تربكني، تفقدني القدرة على الفعل إذ تأخذ الأمور كلها بيدها. انقدت لتيارها بلا وعي. كل شيء كان مرهفا، خفيفا، وأبيضا. شفتاي بالكاد لامست شفتاها. صدرها الذي كان يضغط على صدري ملأني بسحابة. مثل ناي كنت، أكتشف عبرة الدفء عبر همساتها ليُطلق في داخلي لحن ناعم وأبدي. أحبك، قالت، وبقيت صامتا، فازداد اللحن ترددا، وكنت أطير. بعد أيام التقينا كطفلين تحت ملاءة بيضاء. سبابتي التي ابتلت بلعابي مرت في ثنايا جسدها، كانت ترسم صورا ووجوها وأشكال وخرائط جديدة، حول حلمتيها ارتسمت دوائر ودوائر، وعند منبع فيضها الوديع رسمت كرزا، وكانت في ذلك تعض شحمة أذني، فتأخذ الأشياء ألوانها، ويصير الكرز أحمر، فأقطفه بفمي وأطعمها، حتى غلبنا النعاس. غفونا دقائق حسبناها ساعات. عندما فتحت عينيها مررت أصابعها في شعري، سألت هل تعرف سر الفتنة؟ قلت : لا … الهدوء، الهدوء النسبي، وذهبت في نومها.