Archive for the ‘ترامال’ Category

أسكيمو ليمون

2012/08/02

الجيل الذي يبلغ عمره الآن ما بين الخمسة والعشرين والثلاثين عاما يتذكر بدقة وحنين زمن “أسكيمو ليمون”. ما بعد أواسط عقد التسعينيات، انطلقت مسيرة الشبق العارم، مستفيدة من أجواء الانفتاح والتحرر النسبيين اللذين أضفاهما الوعد الكبير بتحقيق السلام مع الإسرائيليين. أطلق بث القناة الإسرائيلية الثانية لسلسة “أسكيمو ليمون” موجة عارمة من الحبور والتساؤلات وحفّز الرغبات الدفينة في أوساط المراهقين ما قبل عهد الستالايت والإنترنت. كهربت السلسلة وجدان هذا الجيل الذي لم يحظ لمرة واحدة بمغادرة القطاع، والذي بات يسمع عن الفتيات اللواتي جئن من تونس مع م.ت.ف ويسبحن الآن بالبكيني على شواطيء محددة في غزة.

بالإضافة ل “أسكيمو ليمون”، كانت مجلة “فوستا” التي تصدر من إسرائيل من بين الأشياء الأثيرة التي نسعى لاقتنائها لما تحويه من صور لفاتنات نصف عاريات وقصص تثير الغرائز الحسية. وأستغرب الآن، وأنا أعيد النظر إلى تلك المرحلة، كيف أن بحثنا عن الجنس كان محموما وحاملا هذا القدر من المغامرة. ففي مرة من المرات ذهبنا كمجموعة أطفال إلى الخط الحدودي إلى الشرق من غزة، لأن أحدهم أقنعنا بأن الجنود الإسرائيليين يرمون هناك مجلات جنسية تحتوي على المئات من صور العاريات. ثم سيطرت على قطاعات واسعة من المراهقين فكرة توجيه اللواقط (الأنتينا) باتجاه الغرب لاستقبال بث قناة يونانية أو قبرصية تسمى “سيجما” تعرض أفلام جنسية كاملة.

لكن الأسطورة التي لم يدانيها أي شيء آخر كانت تتمثل في ما يُعرف بدرس الصحة المدرسية المفروض حصرا على طلاب الصف التاسع. كان هؤلاء الطلبة يدخلون المختبر المدرسي، وعلى الفور تُسدل الستائر السوداء لعرض تلفزيوني ما. وساهمت أجواء التكتم هذه، مع دهاء بعض الطلبة لإطلاق القصة إياها: عندما تصل الصف التاسع ستعرض عليك أفلام علمية توضح لك الطريقة الأفضل لممارسة عملية جنسية مثالية. وهكذا انتظرنا سنوات لنصل الصف التاسع، حتى يتبين لنا في النهاية أن ما كان يعرض هو أفلام حول الأمراض المعدية وعملية نمو الجنين في الرحم وغيرها من الأفلام ذات الطابع التثقيفي. سرت أجواء من الإحباط الشديد في صفوف الطلبة الذين كان ضيقهم يزداد يوما بعد آخر لاكتشافهم أن المنهج والأفلام لا يحتويان على ما يريدون. توجه بعض الطلبة لي ورجوني أن أفاتح الأستاذ فيما يحدث، فقد كانت علاقتي المتميزة بالأستاذ بالإضافة لمنطقيتي وجرأتي على طرح الأسئلة الأكثر إحراجا، تؤهلني لأن أتصدى للمهمة وأسأل: وين السكس؟!

شخصيا، كان حظي عاثرا، فلم يتح لي سوى مشاهدة حلقة واحدة من “أسكيمو ليمون” بعد إجراءات حثيثة لضمان سرية الأمر. وقد كانت المشاهد الجنسية في الحلقة التي أذكر أن أحداثها دارت في قاعدة عسكرية إسرائيلية مغرية جدا بالنسبة لطفل مثلي. و”أسكيمو ليمون” ليس مسلسل بورنو على الإطلاق. إنه مسلسل كوميديا اجتماعية للشبان، يناقش تفاصيل الحياة الاجتماعية لثلاثة شبان إسرائيليين (مومو، بينتزي، ويودال) في إسرائيل الخمسينيات، ومسيرة اكتشافهم للأنثى والجنس وعالم العلاقات العاطفية في مجتمعهم.

انتهى عصر “أسكيمو ليمون” بدخول الستالايت الذي فتح نافذة على فردوس البورنو الذي كان مفقودا تماما. لكن تبين أن القيود لم تنته. الرقابة الأسرية في منزل بتلفاز واحد، وتجارية القنوات التي لا تبث شيئا إلا عبر بطاقات فك التشفير، أخرّت انفجار الفقاعة. وفي تلك الفترة، ومع تنامي خدمات الإنترنت والكمبيوتر، كان القابض على أسطوانة بورنو كالقابض على الجمر، إذ يتبادلها مع أحبته وأصدقائه أو يبيعها إذا ضاقت عليه أحواله المالية.

شكل دخول الإنترنت بالسرعات العالية فتحا جديدا في عالم اكتشاف الشبّان للبورنو. إنها المرة الأولى التي تستطيع من مكان ضيق، متحرر تماما من أي نوع من أنواع الرقابة، أن تحصل على الآلاف من أفلام البورنو، وفي كل مجالات الإبداع الجنسي البشري. إن البرامج التشاركية p2p مكنت الملايين حول العالم من أن يبنوا جمهورية البورنو الاشتراكية. فما لديك لكل الشبان حول العالم، وما لديهم هو لك حتما.

في الواقع، إن الشغف الذي تبديه إزاء حضور هذا العدد الكبير من الأفلام سرعان ما يتناقص بدوافع الملل أحيانا، أو بدوافع عمق تجربتك الحقيقية التي تدفعك لاكتشاف الفارق بين البورنو على التلفاز وطبيعة العلاقة الجنسية الحقيقية التي لا تتم أمام كاميرا. تستطيع من خلال المشاهدة أن تكتشف أن للبورنو تاريخ، وأن توجهات صانعي البورنو تطورت لتنسجم مع تطلعات المجتمع الاستهلاكية. إن أفلام البورنو التي تعود لعقد السبعينيات مثلا تنطوي على حميمية حقيقية وعفوية واضحة، وهي إن لم تكن تقترب من الحالة الحسية للمشهد الجنسي الحقيقي إلا أنها تبقى “إنسانية” عندما تقارن بالبورنو الحديث الذي يتم كعملية ميكانيكية يجب أن تنتهي في غضون فترة محددة، لتوزع لاحقا بالسعر الذي تمليه قوانين السوق. إن معضلة البورنو الحديث تكمن في أن مشاهده باتت متوقعة تماما، وديكوره معروف، وقصته مبتذلة. تستطيع الآن بكل سهولة أن تتوقع كل المشاهد من لحظة المداعبة لغاية تفريغ الخزانات المنوية، ما يجعل عملية مشاهدة كهذه تثير القرف أو الكآبة أكثر مما تثير المتعة.

ومن المؤكد أن عددا متزايدا من الشبان بدأ يدرك بالفعل عقم البورنو الحديث، وعجزه عن تجاوز التمثيل، ولذلك فإن البحث يجري عن أشكال جديدة في الممارسة الجنسية المصّورة. وإلى حد بعيد، ينشد الشبان إلى الأفلام العربية لسببين اثنين، الأول معروف ومرتبط بالوعي العربي إزاء الجنس بصفته واسطة العقد في الثالوث المحرم. لكن السبب الآخر، والذي يعبر عن الحاجات النفسية الأعمق يرتبط عضويا بالمضمون. فالفيلم الجنسي العربي يُصور خلسة غالبا، وهو عفوي تماما لأن الطرفان لا يقومان بما يقومان به بهدف الربح أو التمثيل، ناهيك عن كونه يضم طيفا واسعا من الفتيات والنسوة اللواتي يتباين في جمالهن وخلفياتهن الثقافية والمهنية، ويقمن بالجنس بسبب إرادة لديهن بذلك. كل ذلك يجعل آهة الراقصة دينا في فيلمها مع حسام أبو الفتوح، أكثر تعبيرا وملامسة لآهاتنا الشخصية وشبقنا الدفين من وصول سيلفيا سينت إلى الأورجازم الإجباري الذي يمليه رأس المال.